محمد بن عمر التونسي

9

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فكان ينفق منه مدة إقامته . ثم اشترى زادا وركب في سفينة إلى ثغر إسكندرية ، وكان ذلك إبّان الحجّ ، والذهاب إلى العجّ والثّجّ « 1 » ، فتوجّه في الحال ، من غير إهمال إلى أن وصل إلى تلك البقاع ، وبلغ مأموله جهد ما استطاع ، وكان لسان حاله يقول ، قبل بلوغ المأمول ، من الرمل : أبرك الأيام يوم قيل لي * هذه طيبة هذى الكتب هذه روضة طه المصطفى * هذه الزّرقا « 2 » لديكم فاشربوا والياء في « هذى » بدل عن الهاء . ولما قضى ما وجب عليه ، وتملّى بزيارة الحبيب وصاحبيه ، أفاق من دهشته ، وفاء إلى سكينته ، وافتكر في ضياع ماله ، وتشتّت حاله ، وافتضح من ( 10 ) دخوله إلى تونس ذا عسر وفاقة ، بعد أن كان ذا يسر وإفاقة . وكيف يصبر بعد الرفاهية على الكدّ ، أو يراه على هذه الحالة أهل البلد ؟ ! ولما تذكر ما قد حدث ، أنشد على وجه الجدّ لا العبث ، من الطويل : سأضرب في الآفاق شرقا بغربها * وأكسب مالا أو أموت غريبا فإن تلفت نفسي فلله ردّها * وإن سلمت كان الرجوع قريبا ومن المعلوم أنه يسهل على المرء أن يعيش في تعب ونصب وكدّ ، في بلد لا يعرفه فيه أحد ، خصوصا في هذا الزمن الذي يكرم به اليهوديّ لماله ، ويهان الشريف لفقره وسوء حاله ، ورحم اللّه القائل ، من الكامل :

--> ( 1 ) العج : رفع الصوت بالتلبية ، والثج : صب الدم وسيلان دماء الهدى أي الذبح ، وفي الحديث : أفضل الحج ، العج والثج ( اللسان ) . ( 2 ) في الأصل : الزرقاء بالهمزة ، وهي عين بالمدينة .